أبواب النهر

فوق أحد جسور نهر التايمز، وبعد أن أغلقت البارات أبوابها، وأطفأت البيوت أنوارها، وبدأت الخفافيش جولاتها الإجرامية وذلك بتحويل الظلام إلى جثة هامدة تهبط على الأرواح القلقة للساهرين، كان شافيل يسير دون وجهة / بشكل أدق ربما مستسلما لمسارات الطرق، حيث أنه من الأكثر منطقية للمرء بعد أن يصل إلى منتصف تاريخ صلاحية جسده وبعد أن يأخذ نصيبه الكامل بالحظ العاثر أن يصبح محبطاً بشكل كافٍ ليصبح بمقدوره العيش دون وجهة، فمجرد المحافظة على المسير يعني أنك وصلت/ محني الأكتاف كما لو كان في حالة توسل دائم للخلاص.

وصل إلى هنا، بعد أن حلم خلال غفوة بأنه يقود قارب صغير في هذا النهر، القارب رغم كل جهوده في سياقته بقي ثابتاً في مكانه بالقرب من مكان الانطلاق عند“لندن اي“ وعندما نظر حوله ليفكر بالمشكلة التي تعيقه، انهمر على القارب من السماء أحجار ذات لون بني وكبيرة الحجم.. بقي شافيل جامداً دون أي مشاعر خوف أو حزن تِجاه ما يحدث وعندما امتلأ القارب انتظر غرق القارب أو تحطمه لكن كلا الاحتمالين لم يتحقق ما حدث هو أنه وجد نفسه يحلق باتجاه السماء مع القارب. في اللحظة التي وصل فيها إلى النوم ادرك أنه في حلم عليه ايقافه.. لأن الانسان مبرمج على أن لا يشطح في خياله بعيداً عن كل ما هو واقعي ربما لذلك يقرر ايقاف هكذا نوع من الأحلام. استيقظ شافيل على فكرة أن القارب لو غرق لكان سبح باتجاه السطح مجدداً ولو أنه بقي صامداً لبقي على السطح أيضاً أي أنه في الحالتين لكان قريباً من الواقع والحياة، أما الطيران باتجاه الأعلى فهو نقيض المنطق وذلك يعني أن لاوعيه ينبهه عن مدى انفصاله عن الواقع.. وربما هي طريقة رومانسية مبتذلة وجميلة للإنسان في مواجهة شعوره بالإحباط. 

الأحلام، فكر شافيل أنه غالباً يرى نفسه في البحر أو النهر. قد يكون ذلك بسبب اعتقاده أن الحياة الفردية تشبه العيش في المياه الذي يبقي حركة الفرد ثقيلة ومتقلبة دون تحقيق خطوات مرئية بتقدمه كما لو أنه يعيش في غسالة. على الرغم من التقدم العام للبشرية والتحضر، يبقى الشعور المأساوي باتجاه الحياة أصيلاً في داخل الإنسان. أما اليابسة فهي للأحلام التي تحتوي على أشخاص آخرين معه. ذات ليلة، حلم شافيل بأنه في غابة أفريقية بصحبة فتاة، كانا جالسين داخل سيارة مموهة باللون الخاكي وكانا يغطيان نفسيهما بالأعشاب كما لو انهما في كمين او متخفيان عن شيء ما وعندما هجم عليهما عدد من الحيوانات المفترسة بقي شافيل هادئاً إلى أن استيقظ مردداً لم الخوف؟ لم الخوف؟ هذا البرود والهدوء انتقل من حياة شافيل إلى أحلامه، فقد تدرب فترة طويلة على ذلك إلى أن تمكن من رسم وجه شاغر من أي انفعال ومحايد كما لو أنه لوحة معلقة على حائط في زاوية معتمة، لأن الانفعالات الظاهرة تثير انتباه الأخرين ولطالما كان هو ميالاً إلى أن يكون شخص غير مرئي.

واصل شافيل المشي في طرق لندن، التي تتحول من كئيبة إلى بهية وبالعكس بشكل غير مفهوم، حتى وصل إلى زقاق ينتهي بساحة دائرية مغلقة بدت كما لو أنها ساحة يجتمع فيها أهل الزقاق ليتحدثوا فيها عن مأزقهم في الحياة.. العمل ، الحد الأدنى للأجور والمعونات وايجارات السكن، اللاجؤون الذين اخذوا أماكنهم في السوق وهؤلاء أنفسهم يشكل وجودهم مأزق للذين يقطنون في الاحياء الفارهة الذي يتحدث ساكنوها عن الفقراء والضرائب. فكر شافيل أن الجميع هنا على حق على عكس مكان ولادته حيث الصراعات هناك دموية ويبدو أنهم جميعاً على خطأ. فضل شافيل التوجه إلى الاحياء الغنية حيث الهموم والحوارات أكثر حيوية وأقل وطأة على النفس من حيث المسؤولية. في الطريق، رأى رجلاً يحوم حول منزل محاولاً الدخول من احد المنافذ، عندما تابع المشي إلى الأمام قليلاً فكر ماذا لو كان ذلك الرجل حرامي او قاتل؟ قرر العودة لمراقبته فلا رغبة لديه بخوض صراع نفسي في اليوم التالي عندما يقرأ في الصحف خبر مقتل عائلة. فكر بالاتصال بالشرطة لكن ربما يكون الرجل  شخص يسكن في ذلك البيت وقفل في وجهه الباب.. وهذا يحدث في الحياة كثيراً وتذكر كمية الوظائف التي قدم عليها بدون رد منهم إلى أن اضطر دخول سوق العمل من نافذة صغيرة متاحة شبيهة بنافذة التواليت حيث تضطر لتحمل روائح صاحب العمل والزملاء والزبائن. حتى في العلاقات الاجتماعية التي لا يخصص لها شافيل وقت لكن عندما يقرر التواصل مع احدهم كل فترة طويلة لا يلقى جواباً. اقترب أكثر من المنزل، أصبح وجه الرجل واضحاً كان ذو أنف مغرور ووجه بارد كما لو انه خرج من الثلاجة، لم يهرب الرجل وهذا كان دليل كاف أنه ليس دخيلاً على المنزل، عندما قرر شافيل الابتعاد فتحت الباب فتاة ولعنت الرجل وعادته بنسيان المفتاح ومررت له الكلب الذي تحمله ليقوم الرجل بإخراجه للتمشية. مروا بجانب شافيل، لم ينظر اليه الرجل على عكس كلبه الذي بدأ بالنباح، لطالما كان شافيل يثير انتباه الكلاب أكثر من البشر، ربما لأن الكلاب تشعر بالعقدة الدونية اتجاه البشر الذين دربوهم على الرضوخ وعندما يستشعرون بخوف شخص ما كما هو حال شافيل يرغبون بتحقيق التفوق عليه.. بقي الكلب يحاول الاقتراب والنباح إلى أن صدم بزعيق صاحبه فيه، يبدو أن الكلاب لا تتوقع جواباً ابدا في ذروة خطابها.

جلس شافيل بعد ذلك على إحدى المقاعد الموجودة بكثرة في حدائق لندن وبما أنه لا يملك تلك العيون المتأملة والحالمة كما لدى الذين يكسبون قوت عيشهم بالتحديق في الفراغ، قرر فتح موبايله لمتابعة قراءة بقية المقالات لكاتبة صادفها على الفيسبوك. 

في بعض الأحيان عندما يقرأ شافيل، يبدأ التفكير في شيء آخر، لكنه يواصل القراءة، وتمر فقرة دون معرفة محتواها لأن رأسه في مكان آخر.. هذه المرة شرد في رد الكاتبة على الرسالة التي ارسلها لها محاولاً التعبير عن مدى ذهوله بما تكتب. كان ردها قاسي نوعا ما جعلته يشعر كما لو أنه متحرش او مفترس، رجع شافيل ذلك إلى ما تتعرض له المرأة في المجتمع ولكنه بنفس الوقت كان غير راضٍ تماماً عن دفع كل فرد ضريبة ما يقوم به الجميع وأراد أن يخبرها أنه فرد يعيش في البحر وحيداً وأنه ليس مسوؤلاً عما يحدث على اليابسة. وأراد أيضاً ان يخبرها أنه يتمنى لو كان يعيش في عصر همنغواي وكالفينو مع توفر الانترنت لكان راسلهم بكل تأكيد. ولا بد أن شخصاً حيوياً مثل همنغواي كان ليسعد بأن يتلقى من القراء رأيهم بشكل مباشر افضل من انتظار السوق والمبيعات ليعرف صدى كتابته وأن السوشيال ميديا اتاحت ما كان حلما بالتواصل المباشر للمبدعين، خاصة الاجتماعين منهم. لكن بدل من كتابة ذلك لها فضل تسجيل جملة في ملف الملاحظات على الهاتف ” يا ستي لا تواخذينا اعجبت فيكِ“ بعد تسجيله ذلك شعر أنها ربما تكون على حق. تابع شافيل القراءة إلى أن قاطعه رجل جلس على الكرسي المقابل له دون أن ينتبه له قائلاً ”عليك أن ترسل صورة لوجهك إلى إحدى شركات التبغ ليقوموا بوضعه على علبة السجائر“ نظر إليه شافيل دون رد وفكر أنه يبدو وحيدا ويرغب بالتواصل مع البشر ولكن الرجال غالباً يقومون بذلك بطريقة مزعجة.

فتح شافيل الملاحظات وكتب ” يجب أن انتحر، أن أضع الطلقة برأسي على طريقة همنغواي وأنهي هذا المسير“ ثم وضع الهاتف في جيبه كما لو أن الأمر تم. ثم توجه إلى العمل بعد أن حل الصباح وبدى ان كل شيء يجب أن يبدأ من جديد.