"تلة يسكنها الأعداء" - فدوى العبود

استلمت مخطوطاً، للكاتبة فدوى العبود، مخطوطها الأول وهو مجموعة قصصية أو نصوص متجاورة كما هو مكتوب على الغلاف إذ القصص متفرقة ولكن يجمعها خيط واحد. حينها توجست خيفة في البداية، لأنه في حالة الكاتب الصديق لا بد أن تبدي رأيك له. أقلها على الخاص وهذا ما لا حمل لي به، فلا يمكن للمرء في هذه الحالة أن يكون صريحاً بالمطلق، بالمقابل خداع الآخر بمجاملة لا معنى لها هي خيانة للكاتب وللذات و للأدب.
بثقل توجهت إلى الكتاب، في الصفحات الأولى دُهشت، حينها لم أعد أصدق ما أقرأ فلم يسبق لي قراءة عملٍ من منطقتنا بهذا الأسلوب الذي يقارب في جمالياته أسلوب كبار الكتاب في العالم.
رحت أقفز فرحاً وذهولاً فالحالة هنا ليست فقط كما لو أنك تقرأ كافكا أو كالفينو أو أي مبدع عظيم آخر وينتهي الأمر بينك وبين الكتاب. بل إن هذا المبدع صديقٌ وتستطيع التواصل معه ولقاءه إن أردت، أمر رائع.
على الصعيد الفني:
سأكتفي بعرض عام، خارجي، عرض للسرد الفني دون أن أدخل في محتوى القصص، التي سأتوقف عندها لاحقاً. لأنني أعتقد، إذا جاء يوم وأعطي الأدب قيمته الحقيقية في الوطن العربي سيكون لهذا العمل مكانة كبيرة في النقاشات الفنية.
قدمت الكاتبة بحدسها الفني الحياة أو ما يسمى بالحياة أو ربما الموت، وحياتنا اليومية، بسردٍ سحري، ترى النص فيه يقترب من الواقع دون أن ينزل إلى مستواه. بالإضافة إلى ذلك تكون العبود واعية لما تكتب في اللحظة التي يحتاج فيها القارئ أن يتلمس طريقه وتتخلى عن وعيها عندما يتطلب منها النص ذلك ليرتقي بنفسه وبالقارئ إلى أعالي الفن. بسرد متوازن وجمل تكتسي الحيادية تجعلنا العبود نقفز من مكاننا دون أن نفهم ساعتها السبب؟ ليس لأنها تعري الحياة كما يفعل الكثير من الكتاب، وليس لأنها تثير العواطف، إنما لأنها تنقل الحياة لتصعد بها إلى الوعي المطلق، إلى منطقة يتحرر فيها الفن بالفن، ويتحرر فيها الواقع من كل سلطة. تكثف الحياة في مشهدٍ صغير يعبر عن كل شيء، في مشهدٍ يدوم بشكل لامتناهٍ، حتى يشمل كل شيء. بكلمات أخرى يتناول الذهن كل قصة وكل فكرة ترد في الكتاب، بدايةً على أنه شيء براني، ثم تدلف القصص - على طريقة دعد حداد- ”بهدوء إلى الذات الأخرى" إلى ذواتنا، لتصبح شيئاً يخص البشرية كافة، بعد ذلك تشعر أنه يخصك وحدك لكنه عبقريٌ لدرجة تشعر فيها أن الانسانية جميعاً اشتركت في كتابته. بمعنى آخر قصص تحتوي عبقرية عامة، لكنها تنتمي إلى كل فرد بشكلٍ خاص.
ربما ستقولون إن ما سأقوله مبالغ به أو غير معقول! لكن هذا ما أراه الآن فعلاً، لربما قد سحرت وهذا مايفعله الأدب العظيم؟ لكنني رغم السحر واثقٌ مما أقول:
”تلة يسكنها الأعداء“ قصٌ ينتمي إلى ذلك الفن الذي يسميه هايدغر ”حدث الحقيقة“، وقد يصفه ادورنو بالعمل العظيم، ويقول عنه أحد المفكرين الذين حاولوا تجنب الأزمة التي وضع هيغل فيها متابعيه عندما صرّح أن ”الفن…أصبح شيئاً من الماضي" بقوله إن هيغل يرى الفن غير ضروري فلسفياً في اللحظة التي يحدث فيها أن تصبح الفلسفة فنية بحد ذاتها. أي تصل الفلسفة بشكلها إلى فن مطلق، ويضيف أن الدراما الفنية العالية، هي نموذج للتفلسف، نموذج يتبناه هيغل بنفسه، وقدمه كلٍّ من بيكيت وفرجينيا ولف وكافكا.
أرى أن هذه المجموعة القصصية تنتمي إلى هذا الصنف "الفلسفة الفنية" قدمتها لنا بكتابةٍ أدبية رفيعة الكاتبة فدوى العبود.
-----------
إضافة: نشر أول مرة في موقع حكاية ما انحكت
05/08/2022
لماذا لا نسخر من الوحش؟
ما دفعني إلى كتابة هذا المقال هو تبرير شدة إعجابي بالمجموعة القصصية ”تلة يسكنها الأعداء“ للكاتبة فدوى العبود، والصادرة حديثاً عن دار خطوط وظلال. ذكرت في مقال سابق أنني رأيت في هذا العمل بيكيت وكافكا، فتهامس البعض بطريقة مباشرة أو غير مباشرة ممن لم يقرأ العمل بعد: إنها لربما مبالغة، ولأنني أملك من الإصرار ما يكفي لأكون كردياً ولأن العمل حقيقة كما وصفت. شرعت في الدفاع عن موقفي. تقول العبود في أول قصة من قصص المجموعة ”التبرير يدفع الناس لارتكاب الحماقات، (كتابة الشعر، الغناء والحب وكلّ أشكال الوجود)“ بدوري اندفعت لحماقة كتابة مقال تفصيلي، قد تبدو مضحكة لناقد أكاديمي أو لأي قارئ؟ لا بأس، بذلك أكون أكثر اتساقاً مع الخلاصة التي وصلت إليها ”البكاءة“ -إحدى شخصيات المجموعة- في نهاية العمل، إذ رفضت طلب الأستاذ في تصحيح اخطائها، فيسألها عن سبب عودتها إذاً؟ تجيب ”للضحك“. اضحكوا يا رفاق.
سأنطلق من السؤال المباشر: ما المبهر في هذا العمل؟ كما هو الحال مع كل عمل رفيع، تتمكن الشخصيات فيه من خلال تجاوبهم مع التباسات الحياة المعطاة وطريقة تفاعلهم مع الذوات الأخرى في تقديم أفكار فلسفية واسعة ومعقدة. أزمة الوجود، الفشل كنسق حياة، الخيال، والضحك. سأحاول هنا شرح ما أمكن لي منها. اضحكوا يا رفاق.
تقول ايلينكا زوبانغغ ”إن من علامات عظمة نص ما، أن تخطر على بال المرء كل ضروب الأفكار (الإضافية) أثناء قراءته له“ وفيما يأتي عرض لبعض الأفكار من هذا النص اللانهائي، الذي وقعت فيه كما وقع بورخيس في كتاب الألف.
تخرج الذات إلى النطاق البين-ذاتي لتكتشف نفسها، فالآخر هو المرآة التي يرى فيها المرء نفسه، الآخر ليس منفرداً انما هو مجموعة يبحث فيها المرء عن نفسه، في المجتمع، وهو الحيز الذي يسميه هيغل ”الروح“، ويطلق عليه لاكان ”الآخر الكبير أو النظام الرمزي“، بكلمات لاكان تبحث الأنا عن ”القبول الكامل للذات من الذات الأخرى“ وهذا ينطبق على الفرد في كل مرحلة من حياته، لكن أهم تلك المراحل هي التي في الطفولة. لكن ماذا لو كان الآخر عدائياً؟ كما هو الحال في ”تلة يسكنها الأعداء“. حيث تقابل الطفلة نبذاً من أصدقائها الذين لم يدعوها إلى عيد الميلاد، ويبعدها الجار بقرصة أذن وتغلق عليها الأم النافذة، ويتربص بها قناص. حينها تفشل مرحلة تكوين الأنا، ولا تسطيع أن تصبح فرداً، وتدخل في أزمة وجودية تدفعها إلى دخول غرفة جدتها -التي حاولت قبلها أن تقاوم المخرز بالتحديق به وعاشت بقية حياتها بعينين مجوفتين- لتسألها عن سبب وجودها؟
في مملكة الأعداء العنفية، يُنقص من كل فرد على حدة أو قد ينقل الجميع إلى عالم الموت.
”كلهم يبدأون بهذه المسرحية ثم ينتهون هامدين معنا!“
يخبرنا هايدغر: حتى تكون موجوداً عليك أن تقبل ذاتك، ولا يمكن لهذا أن يحدث إلا بعد أن تنشأ علاقة حقيقية للأنا مع الموت. مهما اختلفنا مع فلسفة هايدغر لكن لا يمكن ألا نسحر بفكرة اختبار الحياة من خلال قبول الانتهاء الذاتي. (نسيان الموت والتفكير بالحياة كما ينصحنا سيبنوزا، فكرة لطيفة لكن لا تبدو مقنعة). أن تصبح موجوداً عليك أن تتخلص من خوفك من الموت. أن تتخيل موتك عند مواجهتك لوحشة الوجود، خاصة في مكان مثل التلة. واجهت البطلة حقيقة موتها وتقابل قاتلها ذا الكتف الجوفاء، الكتف التي لا يمكن للملائكة الوقوف عليها.
تتكرر حالة الإنسان ذي التجويف في النصوص، عيون الجدة، الجندي القاتل، الفتاة التي تبحث عن وجهها، سهام والفراغ برأسها، وأخرى فقدت صوتها. في كل جريمة هناك تجويف، فراغ في تكوين القاتل والمقتول. فالكاتبة، وهذا ما اعتقده، ترى أن المسؤول عن كل هذا هو النظام الرمزي وفي أماكن محددة يتمثل أو يُصدر النظام نفسه من “الآخر الكبير"، الذي يدفع الأفراد إلى الفعل، دون فهم سبب أفعالهم، ودون دوافع حقيقية للأفراد -هكذا تعمل الايديولوجيا. التجويف، إذن، هو هذا النقص في الوعي، بينما الواعي الوحيد هو النظام الرمزي. يبدو أن العبود تمتلك ما يكفي من الصفات المعنوية والوجدانية، كما الفلاسفة الانكليز، الذين لم يقبلوا فكرة وجود بشر ينقصهم كلياً الشعور بالتعاطف مع أبناء جنسهم، على الأقل على مستوى الشخصيات التي قدمتها في نصوصها، فلا وجود لشخصية تقتل من أجل القتل أو لأنها تستمتع بذلك، تلك المتعة الوحشية برؤية الدم والقتل والِمحن لدى الآخرين، لا وجود للشخص الدموي الذي في نصوص دو ساد وحسن بلاسم ”معرض الجثث“ الذي قدم شخصيات تتغذى على الموت وتتلذذ (اللذة الفاحشة-لاكان) في مصائب الآخرين.
حتى اللذة الجسدية لا وجود لها في التلة، فالنظام الرمزي أمر بإزالة أي شكل من أشكال الرغبة، قدر الفرد هناك أن يعيش النقص الذي لا شفاء منه ”نقص الكينونة“. لا مجال لتحقيق: رغبة في محاكاة الآخرين، ولا الرغبة في استعادة السيطرة على حياتهم، ولا رغبة جنسية مسموحة، فلا يجب أن يكون هناك أي معنى وتسلية لحياة الأفراد. فقد بتر الآخر الكبير ألسنة الناس وأشياء أخرى لا استطيع ذكرها. الجميع في محكمة كافكاوية لانهائية، لا يعرف فيها أحد ذنبه، ولا مسموح لهم العيش وفق ما يرغبون، حتى بعد موتهم يريد الآخر الكبير أن يتأكد، فيسأل:
”-كيف ضيعت حياتك يا حلوتي
- كما أردتم لي يا أبي..“
ما الطرق التي تتبعها الشخصيات في تحمل العيش على التلة؟
هناك طريقتان تتكرران في النصوص، لا بد أن أشير إلى، أنهما ليستا الوحيدتين، بأي حال من الأحوال. لنتحدث عن الأول: النجاح بالفشل;
تكشف أغلب شخصيات فدوى العبود عن حس عالٍ بالفشل، فالشخصيات تمر بالفشل لكنها لا تتوقف عن المحاولة. بإصرار بعد كل محاولة، يزداد لديهم عدد المشاكل التي عليهم حلها إلى أن يتدخل الآخر الكبير وينهي كل شيء بضربة فأس.
في "قصاصات منتهية الصلاحية" تفشل الفتاة في كتابة موضوع، تطلب مزيداً من الوقت " هل تنتظرني يا أستاذ؟ -أنتظرك منذ دهر“ فيزداد عدد المواضيع التي عليها كتابتها وتفشل فيها جميعاً، كل مرة بطريقة أفضل. قد نقوم بتأويل القصة على أنها سعي إلى الكمال "…تكتبين موضوع التعبير الخارق ذات يوم!“ كمال هايدغر الذي كان يزدري العادي وتكرار ما كتب سابقاً "لا بدّ أنهم كتبوا كل شيء يا أستاذ"، إذا توقفنا هنا يكون التفسير صحيحاً، لكن غالباً من يفكر بالكمال يكون النجاح حاضراً بقوة في ذهنه -كما هو حال هايدغر- لكن الطفلة لا تبحث عن النجاح، والعادي لا بأس به بالنسبة لها، ما تطلبه هو مزيداً من الوقت ومزيداً من المعرفة ”يجب أن أعرف هذا الوطن“ فعملية التعلم عندها هي انتقال من شكل للوعي إلى شكل آخر، وفي كل مرة تفشل في الوصول إلى ذلك الوعي الذي يُمكنها من الإنتاج ”هذه الورقة العاشرة، ولم أستطع كتابة عبارة واحدة“ وكل عملية تفكر تفتح مزيداً من المشاكل. وهذا تبسيط لبداية الإخراج الهيغلي الذي قدمه بيكيت بشكل طريف ”هل فشلت؟…حاول مجدداً، وأفشل مجدداً، ولكن أفشل بصورة أفضل“ فلا يجري الأمر في القصص مجرى سهلاً -الانتقال من مشكلة إلى حل، وحل أفضل- بل الحال هنا مزيد من المشاكل، والانفصام، والسلب، فتخوض الشخصيات غمار مشاكل الحياة على أشدها، بشكلٍ لا متناه، لتُسمى القصاصة ب”مشكلة المشاكل“.
هناك أيضاً، سهام التي لا تتوقف عن الركض. تفشل في الوصول إلى أي مكان، إلى أن يوقفها رجل السلحفاة، ويلحقها الآخر الكبير وبيده الفأس.
وكذلك، المرأة التي فشلت في الزواج، وتخوض معركة ضد النظام الرمزي إلى أن ينحني ظهرها وتتحول إلى فزاعة لأهل الحي.
”إنها تعد طعامها بشكل جيد، لكنها تلتهم القليل منه وتلقي بالباقي للطيور فتأكله القطط. تلقيه للأعلى فيسقط أرضاً.“
الطريقة الثانية، هيمنة الخيال:
إن كل فعل كتابة هو عملية ابتكار لموضوع أو فكرة أو طريقة لمعالجة الواقع وذلك بإعمال العقل أو الخيال. وكل أدب عظيم هو بمعنى من المعاني تمثيل للواقع وتعالٍ عليه، فلا يمكن للأدب أن يكون مجرد عملية توثيق. ففي كل فن عظيم شيئ متجاوزٌ ليصبح باقياً وعالمياً. كما أن كل عمل من أعمال الخيال ينبغي أن تكون له فلسفة، وكل فلسفة ينبغي أن تكون عملاً فنياً. هذه الطريقة في التجاوز لم تقتصر فقط على تقنية الكاتبة في قصها. إذ انتقل الحال إلى شخصياتها، الغريبة والمفعمة بالتهديد، ذلك الحس في التخييل يقول الأب لأولاده :”(هيا يا شباب، فلماذا منحنا الخيال إذاً؟)“، فتراه لا يكتفي بعينين وقدمين للعيش بل يميل إلى السرد ”فتحت كل حكاية هناك بذرة يمكن إضافة حبكات أخرى فوقها“ والخيال كشكل من أشكال الانتصار وتجاوز المشهد العام.
”فأرض الخيال بقعة آمنة كما تعرفون“.
تجاوز المأساة:
قد تصنف هذه المجموعة على أنها نص ما بعد حداثي لما يحتويه من استحضار وتناص لأعمال أدبية أخرى، كما أن النص لا يشرح نفسه بسهولة فهو مقدم بطريقة شبكية وهذيانية. والشخصيات تقيد ويضيق عليها لكنها تظهر وتختفي عدة مرات وفي قصص مختلفة. تُشعر القارئ كما لو أنه وقع في مصيدة عنكبوت. لكن المشهد يتغير في القسم الأخير من الكتاب، فالشخصيات تعود لتمسك زمام حياتها وتتجمع في وحدة تقدم من خلالها الكاتبة طريقة لتسمو تلك الشخصيات إلى مستوى أعلى، عن طريق تقديم حل وحيد ملزم لكل المشكلات التي أثارها العمل، حل يدفع النص دفعاً باتجاه تفاؤل ميتافيزيقي، ولا تترك للقارئ خياراً سوى الانحياز، بشكل طقوسي، لذلك الحل .هذا ما يجعل المجموعة نصاً ”بعد ما بعد حداثي“.
وتجدر الإشارة إلى أن الحل الذي تقدمه العبود هو ”الضحك“ على أنه: نمط من أنماط التضامن بين الناس، طريقة لتجاوز الأنا أزمتها بعد أن كشفت عن وطأة ”عار الوجود“، تطهر الذات وتمكنها من إعادة التأمل بما مرت به وفتح ”جميع الأقفال“ أمام نفسها. الضحك لتجريد الآخر الكبير من سلطته، لتصغير حجمه إلى حجم فرخ بط يركض خلف الأفراد ويصيح: كا…كا…كا.
لنضحك يا رفاق.


