مسلسل الرؤية - See

في كتاب تدهور الحضارة الغربية يتحدث شبنغلر عن دورة حياة الحضارات التي مآلها الصعود الى قمة التقدم ثم السقوط في الانحطاط وان هذه الدورة هي أبدية في عودها. هذه النظرة المتشائمة للبشرية قُدمت في الكثير من الاعمال الفنية التي تحدثت غالبا عن الايام التي تسبق الابوكاليبسي (نهاية العالم) ولكن القليل من الاعمال تناولت الايام التي تلت السقوط والأقل الذي تناول البشرية بشكل حضارة جمعية غير محصورة بقارة او منطقة محددة.. ومسلسل الرؤية واحد من هذه الاعمال. التي طرحت الفلسفة التشاؤمية للبشرية ورغبتها في الفناء الكامل والبداية من جديد.
القصة:
تبدأ بعد عدة سنين من حدوث وباء عالمي شمل البشرية جمعاء، وهي رؤية جديدة تتناسب مع التقدم التقني الحالي الذي حول الكوكب الى حضارة واحدة، هذا الوباء ينهي حياة الكثير من البشر والمتبقي منهم فقدوا بصرهم، في اشارة الى العودة الى عصور الظلام.
بما ان البشرية محكومة بالتقدم مجدداً، يولد مبصر من ابوين أعمَيَين يحاول انشاء مملكة من المبصرين الذين يولدون منه ولكن عليه ان ينتظر عدة سنين حتى يتقدم اطفاله بالعمر، اطفاله المتوزعون بين عدة قبائل، فمهمته الرئيسية هي التكاثر وترك عناية الاطفال للآخرين حتى يحين وقت قيام مملكة المبصرين.
مملكة بايان التي يولد فيها المبصر الاول، تقع الملكة في غرامه وبعد هربه منها بغية انشاء مملكته ترسل الملكة جيش من صائدي السحرة والمهرطقين، في اشارة ان المبصرين عبارة عن سحرة مغرضين كما هي الحال في جميع المجتمعات التي هاجمت مفكريها بتهمة الهرطقة.
وعندما يثور على الملكة نبلاء المملكة الغاضبون من ارسال الرجال في رحلة بحث لمدة عشرين سنة واهدار الاموال في معركة لا يرون فيها اي قيمة سوى ثأر شخصي من الملكة لحبيبها. تقوم الملكة في هدم المملكة باستخدام التقنية الوحيدة المتبقية من العصر القديم والمقدمة للشعب على انها قوة وهبتها الآلهة لهم.
رأي:
ـ لم يقدم المسلسل اي صورة جيدة للتقدم العلمي والتقني بالمقابل قدم كل ما يوحي ان التقدم يهلك البشرية حتى عند تدمير مملكة بايان تستخدم التقنية في هدم السد الذي كان يحمي اهالي المملكة واراضيها من الطوفان ربما تكون التقنية مرعبة في حال وصل دكتاتور نرجسي الى السلطة كما هو حال الملكة لكن في المقابل للتقدم العلمي الفوائد التي لا تحصى للبشرية لم يطرح اي منها في المسلسل وهذا يتناسب مع النظرة التشاؤمية للكاتب.
وايضاً يوحي المسلسل ان الدكتاتوريات والاديان غير قادرة على القتل الشامل الا بامتلاكها التقنية.
ـ الصراع في المسلسل هو بين طرفين راديكاليين في نظرتهم من طرف الجهل الكامل والآخر هو العلم الذي يقدم نفسه كإله.
من المقاطع العالقة في ذهني:
ـ توجهت شادو باللوم الى كوفون المبصر لرؤيته الآخرين دون قدرتهم على منعه من ذلك..وهي صورة تقدم اللقاء بين الجاهل والعارف حيث يستطيع صاحب المعرفة تعرية وتفسير الانسان الجاهل وامكانية التحكم فيه او حتى تدميره كما عبرت عن ذلك شادو في قولها ان بامكانك قتلنا دون ان نعرف من القاتل.. بالمقابل هناك عذاب العارف الذي يرى الاخطاء لكنه لا يستطيع اصلاحها لان الرؤية المعرفية قد تعرضه للقتل في مجتمع جاهل.
وفي حالة أخرى: أنّه كما يتعذب المختلف في مجتمعه كذلك يشعر المجتمع الذي يواجه نفسه بهذا الشخص.
ـ باريس المربية لكوفون والعرابة تتوجه بخطاب له قبل دخوله الى مملكة المبصرين عن ضرورة بناء عالم يسع المبصرين والعميان، اي بناء مجتمع تسوده العدالة والاريحية التي لا يعتدي فيها احد على الآخر اي اليوتيوبيا الممكنة وليست اليويتوبيا المثالية مستحيلة التحقق.
ـ المعركة في اخر المسلسل بين بابا فونس والمبصر الاول.. بابا فونس هو الاب الغير بيولوجي للولدين المبصرين الذين التحقوا بمملكة المبصرين تنفيذا لوصية الاب المبصر الذي تحالف بدوره مع قوى من العميان الذين يمثلون رمزيا الجهل لكي يدافعوا عن مملكته..يضحي الاب المبصر بابنته لتلك القوى عربون حمايتهم. بسبب ذلك ينشب شجار بين الابوين..الاعمى البسيط الذي يتحول الى قاتل في سبيل حماية اطفاله والمبصر الذي يملك عقيدة علمية للبشرية جمعاء ويقدم كل شيء حتى اولاده كأضاحي لتحقيق هدفه الذي يعتبره اعلى من كل شيء.. وهي اشارة ان العقائد الكونية تستطيع ان تحرق اطفالها في سبيل تحقق الفكرة التي يؤمنون بها وهنا العلم كعقيدة لا يختلف عن اي ايديولوجيا أخرى دينية او شيوعية..الخ ينتهي الصراع بفوز الاعمى بعد اطفاء الانوار وبالتالي تتوازن القوى وهي صورة بليغة للتعبير عن الصراعات حيث يفقد الجميع بصيرتهم ويكون المنتصر الوحيد هي قوى التدمير.
تقنياً:
التصوير والموسيقى والتمثيل يتمتع من القوة والتميز لدرجة انه ينقلك الى عالم آخر عالم تفقد فيه بصرك بشكل معنوي في كل مرة انتهي فيها من مشاهدة حلقة وانظر خارج الشاشة كنت استغرب من اني املك حاسة البصر. بالإضافة الى الاختيار المميز للممثلين وخاصة الملكة التي تتمتع بصوت إلهي بشكل يليق فعلا بمكانتها في المسلسل.
الخاتمة:
ينتهي المسلسل بعد رؤية كوفون الانساني الوحيد في المسلسل لمشهد انتصار الاب غير البيولوجي بفقئ عين المبصر..مشهد يثير فيه الاشمئزاز وهذا ما يدركه جيدا بابا فونس البسيط وتترك النهاية مفتوحة للجزء الثاني بتساؤل هل يستطيع الانسان ـ كوفون ـ انشاء عالم افضل؟


